اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

69

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

الفصل الثاني بداية الجغرافيا الرياضية عند العرب 1 يرجع أصل الجغرافيا - - العلمية عند العرب إلى الفلكيين اليونان . فإذا ما تم الاتفاق على هذه الحقيقة الثابتة وانتقلنا منها إلى تاريخ التطورات الأولى للعلم في قالبه العربي لجابهنا لأول وهلة عدد غير قليل من المشاكل المعلقة التي ما تزال تفتقر إلى الحل حتى الآن . وسيتضح لنا منذ البداية أن التأثير اليوناني لم يكن هو السابق من الناحية الزمنية ، فقد تقدمه الهندي ثم الإيراني الذي يرتبط بدوره بالهندي . وإذا كان المذهب اليوناني قد أخذت كفته في الرجحان منذ بداية القرن التاسع ولم يلبث أن غلب عقب ذلك إلا أن المذهبين الأولين ظلا مع ذلك محتفظين ببعض أهميتهما مدة لا تقل عن القرنين حتى في المناطق البعيدة جدا عن موطنيهما كالأندلس ، وظلت بعض النظريات المرتبطة بهما عالقة بالجغرافيا العربية - - إلى عهد أبعد من ذلك . وقد أدى أحيانا تداخل التأثيرات وتشابكها إلى خلق صورة متضاربة الألوان أصبح من العسير تتبع سير التطور التاريخي خلالها . وثمة سؤال آخر لا يزال يفتقر إلى إجابة شافية وهو لماذا ظهرت الجغرافيا العلمية عند العرب في العصر العباسي فقط ، وذلك في النصف الثاني من القرن الثامن ؟ ولماذا كان نقلتها في أول الأمر من الإيرانيين غالبا على الرغم من أن الأمويين كانوا أقرب إلى المهد القديم للحضارة الهلنستية ( Hellinistic Civilization ) « * » في أنطاكية والإسكندرية حيث لعب السريان في العادة دور الوسيط . ويبدو مغريا الفرض القائل بأن العباسيين في اتجاههم السياسي نحو إيران قد ارتبطوا بالثقافة الإيرانية أيضا . وقد عرف بلاط الساسانيين المنجمين 2 بينما لا نسمع شيئا عنهم بين العرب في العصر الأموي ، بلى إن لفظ « منجم » لا يقابلنا في الشعر قبل عام 132 ه - 750 3 . ولعله ليس من محض الصدفة أن يلعب المنجمون دورا ملحوظا عند وضع الحجر الأساسي لبناء بغداد عام 145 ه - 762 ، بل ويقال إن الخليفة المنصور استعان بمعرفة الطالع ( horoscope ) لاختيار موقع عاصمته الجديدة 4 . ويرد اسم اثنين من المنجمين في هذه المناسبة ، وكانا كما هو الحال في ذلك العصر فلكيين أيضا وعلى معرفة

--> ( * ) العصر الهلنستى Hellinistic هو عصر انتشار الحضارة اليونانية في المشرق عقب فتوحات الإسكندر ؛ وقد أثرت هذه الحضارة في حضارة الشرق وتأثرت بها وأخرجت مزيجا من الاثنين . وهذا اللفظ يستعمل في مقابل العصر الهلينى Hellinic وهو عصر الحضارة اليونانية في بلاد اليونان نفسها ، أي قبل الغزو المقدوني . ويقول سارطون إنه « قد أحسن اختيار هذه العبارة إذ توحى بالهلينية بالإضافة إلى شئ آخر غريب عنها ، شئ مصرى أو شرقي » . ( المترجم )